الفرق وقضیه الانتحار الثوری

کانت الفرق، قبل أن تتحول فی سبعینیات القرن العشرین إلى حاله من الذعر الأخلاقی الواسع، تُعتبر فی الغالب انشقاقات دینیه ناتجه عن اختلافات بین أتباع دین واحد. لکن بعض الأحداث المحدده نقلت قضیه الفرق من هامش المجتمع الهادئ إلى مرکز النقاشات العامه.

وکان أعظمها وأشدها رعبًا الحادثه المروعه التی وقعت فی جیمز تاون، مکان تجمع أعضاء «معبد الشعب» فی 18 نوفمبر 1978، والتی أسفرت عن وفاه أکثر من تسعمائه شخص.

کان «معبد الشعب» کنیسه أسسها قس رادیکالی یُدعى جیم جونز فی سان فرانسیسکو. وفی ظل الفوضى التی کانت تعم سنوات حرب فیتنام، کان جونز یلقی خطبًا حماسیه ضد الرأسمالیه والحروب الأمریکیه، وفی نهایه المطاف أعلن لأتباعه أن «أمریکا لم تعد مکانًا للعیش». وهکذا، انتقل مع عده مئات من أتباعه إلى منطقه غابیه فی غیانا، إحدى دول الکاریبی، حیث أسسوا مستوطنه لهم.

 

بعد فتره، وصلت تقاریر إلى الولایات المتحده حول التعذیب وسجن أتباعه، وبناءً على طلب عائلات المهاجرین، سافر لیو رایان، السیناتور عن ولایه کالیفورنیا، مع مجموعه من الصحفیین بشکل غیر رسمی إلى تلک المنطقه لمراجعه وضع المعیشه فی «جنه جونز» عن قرب.

کان لرایان صداقه قدیمه مع أحد أعضاء القیاده العلیا فی معبد الشعب، واستغل هذه الفرصه للحصول على إذن لزیاره «جونزتاون».

بعد إقامه استمرت أربعه أیام، توجه رایان و مرافقیه إلى مدرج المطار المحلی للعوده إلى الولایات المتحده. وکان جونز، الذی کان قلقًا بشده من التداعیات القانونیه والإعلامیه لزیاره رایان، قد أمر فورًا الحراس المسلحین (الذین أطلق علیهم اسم «الحراس الحمر») بقتل السیناتور ومرافقیه. واندلع تبادل نیران عنیف على المدرج، أسفر عن مقتل رایان وعدد من مرافقیه. بینما تمکن الطیار وعدد من الصحفیین الآخرین، على الرغم من إصابتهم، من النجاه والهروب من الکارثه.

بعد عده ساعات، دعا جونز جمیع سکان معبد الشعب إلى القاعه الرئیسیه للإقامه. ألقى خطابًا حماسیًا مفاده أن لحظه التحرر النهائی قد حانت، ویجب على جمیع أعضاء المعبد الانتحار الثوری لیخلدوا فی التاریخ! وأراد من الأجیال القادمه أن تعرف أنهم اختاروا بأنفسهم کیف یرحلون، وأنهم تحملوا مسؤولیتهم فی إنکار الرأسمالیه ودعم الاشتراکیه. ثم أعلن أن السیناتور رایان قد قُتل وأن العداله قد نُفذت بحقه. فور ذلک، أحاط الحراس المسلحون بالحضور ومنعوا أی شخص من مغادره القاعه. وقد تم تسجیل خطاب جونز فی ذلک الیوم على شریط کاسیت عُثر علیه لاحقًا.

کان الانتحار الثوری مقررًا أن یتم باستخدام محلول السیانید، والذی کان على الأعضاء إدخاله إلى أفواههم عبر إبره بلا سن. کانت أول متطوعه امرأه تقدمت حامله رضیعها، قامت أولًا بإعطاء المحلول للرضیع ثم تناولته هی بنفسها. تقدم الأعضاء واحدًا تلو الآخر، یفرغون الإبره فی أفواههم ثم یغادرون القاعه. بعد دقائق، بدأ تأثیر السم على أول المتطوعین، وکانت أصوات بکاء الأطفال وأنین الألم ترتفع.

وسط هذه الفوضى، کان جونز یکرر باستمرار: «لا تخافوا من هذه الصرخات. لو کنتم تعرفون ما ینتظرکم، لفضلتم الموت ملیون مره على عشره أیام من الحیاه فی هذا العالم». حاول بعض الأعضاء التردد والهروب، لکن أُجبِروا بالقوه على تناول السم. وعند انتهاء العملیه، سقط أکثر من تسعمائه جثه حول القاعه الرئیسیه فی «جونزتاون»، بینهم 304 أطفال.

أثار خبر الانتحار الجماعی فی «جونزتاون» صدمه عالمیه کقنبله. وحتى قبل أحداث 11 سبتمبر، کان هذا الحادث أکبر مجزره جماعیه للمواطنین الأمریکیین فی تاریخ الولایات المتحده. کل ما یتعلق بـ «جونزتاون»، بدءًا من الشیوعیه والاشتراکیه، وصولاً إلى الانعزال عن الحیاه الحضریه وأداء الطقوس الجماعیه غیر المألوفه، تحول إلى حاله من الذعر الأخلاقی.

استغلت وسائل الإعلام الأمریکیه العلاقات المزعومه للفرقه مع سفاره الاتحاد السوفیتی فی غیانا بشکل کامل لتصویر خصومها فی الحرب البارده على أنهم شیطانیون وخطرون، وأصبح النقاش حول الفرق لسنوات طویله أحد القضایا الثقافیه الشائعه.

المصدر:
مقتبس من افتتاحیه: «کیف أصبح إنستغرام معبدًا للفرق؟»، محمد ملاعباسی، مجله ترجمان، العدد 21، السنه السادسه، 1400 هـ ش، ص 12-17.