إنستغرام وقضیه الانتماء إلى الفرق! روایه أماندا مونتل عن الفرق الحدیثه الناشئه

 

عندما وصلت حقًا إلى حدود الیأس، قلت لنفسی: لنبحث عن الترکیز هنا فی إنستغرام. ربما یکون هذا “سم الأفیون” أیضًا، فی قسم الاستکشاف.

فتحت التطبیق، وفی شریط البحث فی الأعلى الذی یتیح للمستخدم البحث، کتبت کلمه «ترکیز». ظهرت قائمه من الصفحات التی تحتوی فی أسماء المستخدمین أو وصفها على کلمات مثل: «مدرب الترکیز»، «معسکر الترکیز»، «ورشه عمل الترکیز والانتباه»، «نادی المترکزین»، وما شابه ذلک…

أحیانًا أفکر أن وظیفه البحث فی هذه الشبکات تُترک عن عمد بهذه الدرجه من البساطه وقله الفائده، بحیث یُجبر المستخدم، أکثر من أن یبحث بنشاط عن المحتوى، على الاعتماد على الذکاء الاصطناعی للشبکه ویصبح تابعًا له.

للوهله الأولى، بدت لی صفحاتهم ممله وموحده، ثم فکرت أن هذا ربما من متطلبات الترکیز؛ أی أنه من المحتمل أن الشخص الذی یرید دعوه الآخرین إلى الترکیز فی صفحته، لا ینبغی أن یکثر من الألوان والزخارف على صفحته، لأن ذلک سیکون على حساب الهدف. عادهً، کلما فتحت أحد هذه الصفحات، کانت تحتوی على عشرات القصص (Stories). هناک کانوا یشکرون المتابعین الذین قالوا إن حیاتهم قد تغیّرت بفضل تعالیمهم، أو یجیبون على الأسئله التی أُرسلت لهم بشکل خاص.

وعند النظر إلى قسم التعلیقات تحت کل منشور: «مئات من الإیموجی، تشجیع، أحسنت، بالضبط، تحیه، وکالعاده رائع» متراصه واحده تلو الأخرى. بدا وکأن نوعًا من الطقوس الدینیه کان جاریًا، وأن هؤلاء مدربی الترکیز قد جاءوا کالمنقذین لیمدوا ید المفقودین من متابعیهم إلى شاطئ السعاده.

کانت هناک طقوس ومراسم فریده جاریه، وتقترح طریقًا خاصًا للحیاه.

فکیف یمکن تحلیل هذه العوالم، التی لیست قلیله، ولا تقتصر على مدربی الترکیز فقط؟ ما الذی یقوم به هؤلاء المرشدون، والمدربون، والمجموعات المعلنه عن نفسها، وکیف أصبحت هذه الظواهر شدیده الشعبیه؟ هل یجب اعتبارهم فرقًا خطیره وموّسمه بالسم، تُصدر أوهامًا وخرافات مریحه، أم أنها أسالیب جدیده للدعم والانتماء؟

عندما أُطلق إنستغرام فی عام 2012، قامت أماندا مونتل بتثبیت التطبیق لتسریع تقدمها، وکانت أول کلمه جذبت انتباهها هی «متابع» (Follower). فی فیسبوک، یُسمى من یتابع صفحه شخص ما «صدیقًا»، لکن کلمه «متابع» تحمل معنى مختلفًا، فهی تدل على الشخص الذی یتتبع أو یلتزم بمتابعه محتوى شخص آخر، مما أحدث صدى مختلفًا فی ذهنها.

تتذکر مونتل أنه عندما رأت کلمه «متابع» فی إنستغرام، قالت لأصدقائها: «هل صُمم هذا التطبیق للفرق؟ ألن یفکر الجمیع الآن فی تأسیس فرقه صغیره خاصه بهم؟» لم یطل الوقت حتى وجدت مونتل الإجابه على سؤالها. مع انتشار إنستغرام، نشر آلاف الأشخاص نشاطاتهم المتعلقه بالروحانیات البدیله هناک.

ظهر المنجمون، الشامان، العرافون الإسکندنافیون، مروجو الحکمه الهندیه الأمریکیه، الکهنه المعلنون لمعابد قدیمه، وعلماء الفلک الذین، بناءً على المبادئ الفلکیه القدیمه، کانوا یعلنون کل لیله الأوقات المناسبه لأعمال معینه والأوقات التی یجب تجنبها.

کان یکفی الاشتراک (Subscribe) للوصول إلى مستویات أعلى من الوجود، إلى ما وراء الزمان والمکان، وحتى إلى ما وراء الموت…

لذلک، إذا أردنا اعتبار الصفحات التی تُنشأ على وسائل التواصل الاجتماعی حول مثل هذه المعتقدات فرقًا، فربما علینا إعاده النظر فی تعریفنا التقلیدی لهذه الکلمه.

کانت الفرق، قبل أن تتحول فی سبعینیات القرن العشرین إلى حاله من الذعر الأخلاقی الواسع، تُعتبر فی الغالب انشقاقات دینیه ناتجه عن اختلافات بین أتباع دین واحد. وبذلک، أصبحت الفرق جزءًا من المزیج المتنوع لحرکات «مضاده للثقافه» التی کانت فی أوج نشاطها منذ السبعینیات.

تتعمق أماندا مونتل فی کتابها الجدید بهذا السؤال من منظور جدید؛ فهی ترى أن المجموعات على إنستغرام، رغم أنها مثل أسلافها تعد متابعیها بوعود غریبه وتحثهم على الولاء والطاعه بلا کلل، إلا أنها محرومه من بعض أخطر قدرات القاده السابقین.

والأهم من ذلک، أنه طالما تقتصر أنشطتهم على الشبکات الاجتماعیه، لا یمکنهم تهدید أو عزل أتباعهم جسدیًا. حتى أکثر المتابعین ولاءً لهذه المجموعات یتمتعون بحریه کبیره مقارنه بأعضاء الفرق القدیمه، فی مغادره المجموعه وسماع وجهات نظر أخرى.

ومع ذلک، لا ینبغی الاعتقاد أن عصر الفرق قد انتهى تمامًا.

وإذا کان قول مارکس عن عصرنا صحیحًا، بأن کل ما هو صلب وثابت یتحول إلى دخان ویتلاشى فی الهواء، یمکننا القول إن الفرق فقدت شکلها الصلب، لکنها ترکت وراءها دخانًا ما یزال موجودًا.

 

لا ینبغی أن یؤدی التعرف على الفرق وأنماطها اللغویه والسلوکیه إلى رهبه جماعیه أو وسواس مزعج فی تجنب السلوکیات الطائفیه، بل یکفی أن نمتلک أدوات تمکننا من تقییم ما نسمعه بشکل نقدی، والتحقق من صحته کلما لزم الأمر، مع تذکر دائم أن الحیاه أعقد من أن تختزل فی شخص واحد أو مجموعه واحده.


دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *